قصر فينيسي حيث ينحني الزمن
إن الخطو داخل مؤسسة كويريني ستامبليا يشبه الدخول إلى حلم؛ فهو صدى محفوظ بدقة لماضي البندقية المتعدد الطبقات، والمتشابك مع تدخلات معمارية حديثة ومذهلة. هذا القصر، الرابض بشموخ في منطقة كاستيلو، ليس مجرد مستودع للفنون، بل هو سرد حي لعائلة، ومدينة، وروح التصميم الإيطالي المتطورة. تأسست المؤسسة عام 1869 على يد الكونت جيوفاني كويريني ستامباليا، آخر سليل لسلالته، وقد صُممت لتكون منفعة عامة—هدية للبندقية تهدف إلى إثراء حياتها الثقافية للأجيال القادمة. وما بدأ كوصية من المقتنيات العائلية المتوارثة قد ازدهر ليصبح مؤسسة تحتفي بمجموعتها الرائعة من الفن الفينيسي، وعمارتها التي تحبس الأنفاس، والتزامها برعاية الإبداع المعاصر. يبدو أن الهواء داخل هذه الجدران يهمس بثقل التاريخ، ومع ذلك، فهو تاريخ يُعاد تفسيره باستمرار من خلال عدسة الحساسية الحديثة.
تكمن السحر الحقيقي لمؤسسة كويريني ستامباليا في ثنائيتها المعمارية؛ فبينما يتحدث القصر نفسه بفيض عن حياة الطبقة الأرستقراطية في البندقية عبر القرون—بواجهاته المزخرفة وتصاميمه الداخلية الغنية التي تلمح إلى مآدب فاخرة ومؤامرات هامسة—كان المهندس المعماري الرؤيوي كارلو سكاربا هو من أطلق العنان لإمكاناته الحقيقية. فعندما كُلف بترميم المبنى في الستينيات، لم يكتفِ سكاربا بالترميم فحسب، بل خاض حواراً شاعرياً مع البنية القائمة؛ إذ أدرك أن الحفاظ الحقيقي لا يعني تجميد الزمن، بل السماح للتاريخ بأن يتنفس ويتردد صداه ضمن سياق معاصر. ولعل أبرز تدخلاته هي بلا شك حديقة الفناء—تلك الواحة الهادئة حيث يلعب الماء دوراً محورياً، إذ تنساب نافورة مجرى مائي تجريدي ضحل عبر المكان، ليعكس تدفقها اللطيف القنوات المائية التي تشكل هوية البندقية نفسها. وتتجلى عبقرية سكاربا في قدرته على دمج العناصر الطبيعية مع الأشكال الهندسية، مما يخلق توازناً متناغماً بين ما هو من صنع الإنسان وما هو عضوي طبيعي.
نسيج من كبار فناني البندقية
تضم "بيناكوتيكا كويريني ستامباليا" مجموعة استثنائية ترصد تطور الرسم الفينيسي من عصر النهضة وصولاً إلى فترة الروكوكو. وهنا، يمكن للزوار مواجهة روائع فنية لبعض أكثر فناني المدينة تبجيلاً؛ حيث تُعد لوحة التقديم في الهيكل للفنان جيوفاني بيليني حجر الزاوصل في هذه المجموعة—وهي تصوير رقيق للتقوى الدينية نُفذ بتفاصيل دقيقة وألوان مضيئة. كما تقدم سلسلة "الأسرار السبعة" للفنان بييترو لونغي لمحة رائعة عن الحياة الفينيسية في القرن الثامن عشر، حيث تلتقط جلال الطقوس الدينية وواقع الحياة اليومية في ذلك العصر. وإلى جانب هذه المعالم، تساهم أعمال جياندومينيكو تيبولو، وجوليو كاربيوني، وماركو ريتشي في نسج لوحة غنية من التعبير الفني، مستعرضةً الفخامة والأناقة والضوء المميز الذي يميز فن البندقية. كما تحتضن المؤسسة أصواتاً أكثر حداثة، حيث تضيف أعمال أوجينيو دا فينيسيا بُعداً معاصراً لمقتنياتها.
مركز ثقافي نابض بالحياة
إن مؤسسة كويريني ستامباليا هي أكثر بكثير من مجرد متحف للفنون؛ فهي مركز ثقافي نابض متجذر بعمق في نسيج الحياة في البندقية. وتبرز مكتبة مؤسسة كويريني ستامباليا، التي تعد واحدة من أجمل المكتبات العامة في البندقية، كشاهد على التزام المؤسسة بالمساعي الفكرية. ومن المثير للإعجاب أنها تظل مفتوحة أيام الأحد—وهو عرض نادر في مدينة تغلق فيها العديد من المؤسسات أبوابها خلال عطلة نهاية الأسبوع—مما يجعلها مورداً لا يقدر بثمن للباحثين وعشاق الكتب على حد سواء. وتضم المكتبة مجموعة واسعة من الكتب والأوراق، بما في ذلك تبرعات هامة من شخصيات مثل الشاعر الفينيسي ماريو ستيفاني.
وبعيداً عن مجموعاتها الدائمة وخدمات المكتبة، ترعى المؤسسة بنشاط المعارض المعاصرة، والبحوث الأكاديمية، وعروض الرقص، والمحاضرات العامة، مما يضمن بقاءها قوة ديناميكية في المشهد الثقافي للبندقية. إن هذا التفاني في كل من الحفاظ على التراث والابتكار هو ما يميز مؤسسة كويريني ستامباليا حقاً—فهي مكان يلهم فيه الماضي الحاضر، ويُشكل فيه المستقبل باحترام عميق للإرث الفني. واليوم، تواصل المؤسسة مهمتها في رعاية الإبداع من خلال معارض تستكشف رؤى متنوعة حول تاريخ الفن والثقافة المعاصرة، لضمان بقاء البندقية منارة للإلهام الفني.
